القرطبي
4
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هذيل : يقول قائلهم : نشدتك لما قمت . الباقون بالتخفيف ، على أنها زائدة مؤكدة ، كما ذكرنا . ونظير هذه الآية قوله تعالى : " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " ( 1 ) [ الرعد : 11 ] ، على ما تقدم . وقيل : الحافظ هو الله سبحانه ، فلو لا حفظه لها لم تبق . وقيل : الحافظ عليه عقله يرشده إلى مصالحه ، ويكفه عن مضاره . قلت : العقل وغيره وسائط ، والحافظ في الحقيقة هو الله عز وجل ، قال الله عز وجل : " فالله خير حافظا " ( 2 ) [ يوسف : 65 ] ، وقال : " قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن " ( 3 ) [ الأنبياء : 52 ] . وما كان مثله . قوله تعالى : فلينظر الانسان مم خلق ( 5 ) خلق من ماء دافق ( 6 ) يخرج من بين الصلب والترائب ( 7 ) إنه على رجعه لقادر ( 8 ) قوله تعالى : ( فلينظر الانسان ) أي أبن أدم " مم خلق " وجه الاتصال بما قبله توصية الانسان بالنظر في أول أمره وسنته الأولى ، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه ، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره . و " مم خلق " ؟ استفهام ، أي من أي شئ خلق ؟ ثم قال : ( خلق ) وهو جواب الاستفهام " من ماء دافق " أي من المني . والدفق : صب الماء ، دفقت الماء أدفقه دفقا : صببته ، فهو ماء دافق ، أي مدفوق ، كما قالوا : سر كاتم : أي مكتوم ، لأنه من قولك : دفق الماء ، على ما لم يسم فاعله . ولا يقال : دفق الماء ( 4 ) . ويقال : دفق الله روحه : إذا دعي عليه بالموت . قال الفراء والأخفش : " من ماء دافق " أي مصبوب في الرحم ، الزجاج : من ماء ذي اندفاق . يقال : دارع وفارس ونابل ، أي ذو فرس ، ودرع ، ونبل . وهذا مذهب سيبويه . فالدافق هو المندفق بشدة قوته . وأراد ماءين : ماء الرجل وماء المرأة ، لان الانسان مخلوق منهما ، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما . وعن عكرمة عن ابن عباس : " دافق " لزج . ( يخرج )
--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 291 . ( 2 ) آية 65 سورة يوسف . ( 3 ) آية 52 سورة الأنبياء . ( 4 ) بل يقال ذلك ، ونقله صاحب اللسان عن الليث . وانظره أيضا في المصباح المنير للفيومي .